الصالحي الشامي
66
سبل الهدى والرشاد
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي أصحابه حتى انتهى إلى ذكر البيعة فقال عز وجل ( إن الذين يبايعونك ) بيعة الرضوان بالحديبية ( إنما يبايعون الله ) أي ما يبايعون أحدا إلا الله ، اي ليست تلك المبايعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل مع الله - تعالى - وكما روعيت المشاكلة بين قوله : ( إن الذين يبايعونك ) وبين قوله ( إنما يبايعون الله ) بنى عليها قوله ( يد الله فوق أيديهم ) على سبيل الاستعارة التخييلية تتميما لمعنى المشاكلة ، وهو كالترشيح للاستعارة ، أي إذا كان الله - تعالى - مبايعا ، ولابد للمبايع - كما تقرر واشتهر - من الصفقة لليد فتخيل اليد لتأكيد المشاكلة ، والا ، فجل جنابه الأقدس عن الجارحة ، والمعنى أن الله تعالى - مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها ( فمن نكث ) يقض البيعة ( فإنما ينكث ) يرجع وبال نقضه على نفسه ( ومن أوفى ) ثبت ( بما عاهد عليه الله ) في مبايعته ( فسنؤتيه ) بالفوقية والنون ( أجرا عظيما ) وهو الجنة ، ثم ذكر تعالى ما المنافقون يعتلون به إذا لقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال تبارك وتعالى : ( سيقول لك المخلفون ) من الاعراب حول المدينة ، الذين خلفهم الله - تعالى - صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة ، خوفا من تعرض قريش لك عام الحديبية إذا رجعت منها ( شغلتنا أموالنا وأهلونا ) عن الخروج معك ( فاستغفر لنا ) الله - تعالى - من ترك الخروج معك ، قال سبحانه وتعالى مكذبا لهم ( يقولون بألسنتهم ) أي من طلب الاستغفار والاعتذار ( ما ليس في قلوبهم ) فهم كاذبون في اعتذارهم ( قل فمن ) استفهام بمعني النفي ، أي لا أحد ( يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ) بفتح الضاد - ما يضركم كقتل ، وخلل في المال والاهل وعقوبة عن التخلف - وبضمها - أي [ الهزال وسوء الحال ] ( أو أراد بكم نفعا ) ما يضاد ذلك ، لأنهم ظنوا أن تخلفهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدفع عنهم الضرر ، ويجعل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم ، فأخبرهم تبارك وتعالى أنه إن أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه ( بل ) هنا وفيما يأتي للانتقال من غرض إلى آخر ( كان الله بما تعملون خبيرا ) فيعلم تخلفكم وقصدكم فيه ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ) أي ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون ، ( وزين ذلك ) عدم الانقلاب ( في قلوبكم ) فتمكن فيها ( وظننتم ظن السوء ) هذا وغيره ( وكنتم قوما بورا ) بواو وراء جمع بائر أي هالكين عند الله - تعالى - بهذا الظن ( ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا اعتدنا ) أعددنا وهيئنا ( للكافرين سعيرا ) نارا شديدة ( ولله ملك السماوات والأرض ) يديره كيف يشاء ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) إذ لا وجوب عليه ( وكان الله غفورا رحيما ) ولم يزل متصفا بذلك ، ثم ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إذا انطلقوا إلى مغانم ليأخذوها التمس المخلفون الخروج لعرض من الدنيا ، فقال تبارك وتعالى ( سيقول لك المخلفون ) المذكورون ( إذا انطلقتم إلى مغانم